ابن عجيبة
128
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ أي : يقبض أرواحكم بِاللَّيْلِ إذا نمتم ، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروى ، وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ أي : ما كسبتم من الأعمال بِالنَّهارِ . وخص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريا على المعتاد ، ثُمَّ إذا توفاكم بالليل يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي : في النهار ، لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى أي : ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا ، وهو أجل الموت ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ بالموت ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيعاتب المسئ ويكرم المحسن . روى : أن العبد إذا قبض عرجت الملائكة بروحه إلى سدرة المنتهى ، فيوقف به هناك ، فيعاتبه الحق تعالى على ما فرط منه حتى يرفض عرقا ، ثم يقول له : قد غفرت لك ، اذهبوا به ليرى مقعده في الجنة ، ثم يردّ إلى السؤال . وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ بالقهر والغلبة ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ؛ ملائكة تحفظ أعمالكم ، وهم الكرام الكاتبون ، والحكمة فيه : أن العبد إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد ، كان أزجر له عن المعاصي ، ثم لا تزال الملائكة تكتب عليه أعماله حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا أي : ملك الموت وأعوانه ، وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ بالتواني والتأخير ، ولا يجاوزون ما حد لهم بالتقديم والتأخير . ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ أي : إلى حكمه وجزائه ، أو مشاهدته وقربه ، مَوْلاهُمُ الذي يتولى أمرهم ، الْحَقِّ أي : المتحقق وجوده ، وما سواه باطل ، أَلا لَهُ الْحُكْمُ يومئذ ، لا حكم لغيره فيه ، وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ؛ يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة ، لا يشغله حساب عن حساب ، ولا شأن عن شأن ، سبحانه لا إله إلا هو . الإشارة : وهو الذي يتوفاكم ، أي : يخلصكم بليل القبض ، ويعلم ما كسبتم في نهار البسط ، ثم يبعثكم من ليل القبض إلى نهار البسط ، وهكذا ؛ ليقضى أجل مسمى للإقامة فيهما ، ثم إليه مرجعكم بالخروج عنهما ؛ لتكونوا لله لا شئ دونه ، وفي الحكم : « بسطك كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما ، كي لا تكون لشئ دونه » . وقال فارس رضى اللّه عنه : القبض أولا ثم البسط ، ثم لا قبض ولا بسط ؛ لأن القبض والبسط يقعان في الوجود ؛ أي : في وجود النفس ، وأما مع الفناء والبقاء فلا . ه . أي : فلا قبض ولا بسط ؛ لأن العارف الواصل مقبوض في بسطه ، مبسوط في قبضه ، لا تؤثر فيه هواجم الأحوال ؛ لأنه مالك غير مملوك . واللّه تعالى أعلم . ومن علم أن اللّه قاهر فوق عباده ، انسلخ من حوله وقوته ، وانعزل عن تدبيره واختياره ؛ لإحاطة القهرية به ، ومن تحقق عموم قهاريته تعالى ، علم أنه لا حجاب حسى بينه وبينه ، إذ لو حجبه شئ لستره ما حجبه ، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر ، وكل حاصر لشئ فهو له قاهر ، ( وهو القاهر فوق عباده ) ، وإنما المحجوب : العبد عن ربه بوجود وهمه وجهله ، ومن تحقق أن الملائكة تحفظ أعماله استحيا من ارتكاب القبائح ، لئلا تعرض على رؤوس الأشهاد .